قصائد الأستاذ منير الركراكي
يا باغي الخير أقبل
الدار عامرة والقلب في جذَل*
ما أعظم الأجر ممن قال: "صَوْمُكَ لي"*
والصوم في رمضان الخير مَقْرُبَةٌ
لا من عديل لها في الأجر والعملِ
أمّا من اعتكفوا عشرا فميزتهم
أن رَابَطُوا لالتماس القدر والنَّفَلِ*
ذكر بلا غفلة والله يذكرهم
في حضرة الملأ الأعلى فوا خجلي
وَعْظٌ يُذَكِّرُهم بالله خالِقِهم
وبالرّسول وخير الكُتْب والمِلَلِ
يتلون آيات قرآن به شُغِلُوا
عن كلّ شغل بلا جَهْدٍ ولا مَللِ
اَلحفظ دَيْدَنُهم في سبح يومهمُ
وفي الدُّجى هم هجود دونما كللِ
أنفاسهم بالحبيب المصطفى شَغُفَتْ
وذكر خير الورى يشفي من الغُلَلِ
وهْوَ العزاء لقلب الصّبّ مؤنسه
وهْوَ الكفيل بكشف الضّرّ والعللِ
فلا إله سوى الله الرّحيم نَدًى
فوق الجراح وحصني من أذى الخَبَلِ*
أنعم بها كِلْمَةً إن قُلتَها كنست
منك الذّنوب وزكّت مكمن الخللِ
مستغفرون وذنب المرء موقظه
والدّمع ينهال مدرارا من المُقَلِ
مسبّحون وشمس الله موعظة
أنّ الحياة وإن طالت إلى أجلِ
يدعون ربّهمُ خوفا ومِنْ طَمَعٍ
يرجون جنّته في صحبة الأزلِ
لا يبتغون عن الفردوس منزلة
لا يرتضون عن الرّحمان من بَدَلِ
أحيوا لياليَهُم، شدّوا مآزرهم
وأيقظوا أهلهم فالله خَيْرُ وَلي
وليلة القدر ليلاهم بها كَلِِفُوا
إن كان لليل قيسٌ غيرُ مُنْتَحَلِ
وِتْرٌ هي الليلة الفضلى وعاشقها
يُسائلُ القوم عنها دونما خجلِ
إذا مررتم بليلى القدر في سحر
فأخبروني بها طُرّاً على عجلِ
وإن رآها مناما منكمُ أحد
فليستتر، عن بنات الليل لا تسَلِ
سمراء من حسنها كل الورى سَهِروا
عذراء في عقدها الثاني بلا جدلِ
والهائمون بها من صدقهم عكفوا
بالباب لم يأبهوا لِلّوم والعَذَلِ*
صُفرُ الوجوه قيام سُؤْلُهم يَدُها
أن يخطبوها بمهر الصّدق والعملِ
من ربها عذرهم أن لا محيد لهم
عنها ولولا عكوف الصّبّ لم ينلِ
باب الشياطين طوال الشهر موصَدة
يا بَاغِيَ الشر أقصر عن حمى الضللِ
باب الجنان بلا قُفْل مُفَتَّحَةٌ
يا بَاغِيَ الخير أقبل جِدَّ في العملِ
مصَفَّد كل شيطان وحابسُه
مولاك ذي الحَوْل والأفضال والظُّلَلِ
في رَحمة الله عشْرٌ قد مضت وتلت
ها عَشْرُ مغفرة يُمحى بها زللِي
لم يبق إلا ليالي العتق كُنْ جَلَدا
رحماك لا تُبقني في غفلتي كسلي
أطلق سراح فؤادي من هوى جسدي
عقلي ونفسي له من جملة الخَوَلِ*
أعتق رقابهُمُ من شقوتي سَفَهِي
أمِّن عُبيدَك من حُزن ومن وجَلِ
جئت الحمى طالبا من إخوتي سندا
طالت عجافي ويومُ الغوث لم يصلِ
أنا السّجين وسجن المرء شهوته
قميص كِذْبي وزوري قُدّ من قُبُلِ
أعتق إلهي بهَذي العشر ناصيتي
"ما أضيق السجن لولا فُسحة الأملِ"
من سجنه أعتق الصِّديق أمّته
إني أرى سجن صحبي مَضربَ المثلِ
إن كان سجنهم ظلما ومهزلة
كما تداعوا على الصّدّيق بالحيلِ
فإنّ إخراجهم من سجنهم أَمَلٌ
كما غدا يوسفُ الأوّابُ للأولِ
وبدر صحب النبي المصطفى عظة
وفتح مكة وافى الصّحب بالبللِ*
بشرى لمن هاجروا لله وانتصروا
من بعدما ظُلِموا من طُغْمَةٍ هَمَلِ
صواقِلٌ من سيوف الهند لامعة
رواحِلٌ من خيار النوق والإبلِ
هم إخوتي سادتي سَبْعٌ وثامنُهم
أنا وكهفُ اعتكافي بَسْطُ مُعتَقَلِ
دُنيايَ سِِجنٌ وحُرٌّ كلُّ داعية
أفنى الشّبابَ هُدًى أبْئِسْ بمُكْتَهِلِ
أمضى الحياة هوًى والموتُ يرصدُه
أشقى من اللات أقسى القلب من هُبَلِ
عَوْدٌ على بدء هذا الخير معتكفا
رفقا بنفسك بعضُ الهَجْوِ كالغزَلِ
للصّائمين لدى الإفطار فرحتهم
والعيد بشرى لهم والشّكر للقَبَلِ*
والفطر خير زكاة والقراط لهم
بعد الصّلاة بأغلى الطيب والحُللِ
فإن همُ وصلوا الأرحام تَمَّ لهم
ما أُبْلِغوا نيله من خاتم الرُّسلِ
بمرشد العدل والإحسان يقْظَتُهمْ
من لم يكن شاكرا لله لم يصلِ
وشكره بنبي الله متّصل
وبالدليل على الخيرات لم يزلِ
من لم يكافئه بالأموال كافأه
بشكر داع بجُنْح الليل مُبتهلِ
وأفضلُ الشّكر مشْروع تؤصّله
للناس توصلُه صدقا بلا دَغَلِ
مشروع منهاج طه المرتضى لغد
يُطيح بالجبر حُكْم الجور والفَشلِ
يعيد غزل العُرى تلك التي نقضوا
إثر الخلافة من بَعْدِ الشهيد علي
يا سعد من وجد المبعوثَ يصحبُه
في صحبة القوم منهاج النّبي جلي
والمرء يُحشر مَعْ محبوبه سندٌ
الحبّ يجعل نِكسَ القوم كالبطلِ
الحبّ عُروتنا الوُثْقى وسُلوتنا
وليس حبُّ عباد الله كالغزلِ
الحبّ في الله دين لا هوى بشر
لا يستوي حبّ أهل الله والسَّفَلِ
من خالل القومَ لم يخطئ سَبيلَهُمُ
ومن يخالل رعاع الناس للسُّبُلِ
ما كان لله كان الله حافظه
ومن يكن لسوى الرحمان لم يطُلِ
رأى الأحبّة في سفر المنام رؤى
فيها البشائر يا أمّارتي اهتبلي
وعلموني علوما لست أفقهها
من رجس جهلك يا خرقاء فاغتسلي
إن قيل هذا أوان القول فاعتذري
فقول: "لا علم لي" حرز لمُمْتَثِل
والقول كالمال بالتبذير نُتْلِفُهُ
من كان مقتصدا في القول لم يعُلِ
صومي كما صامت العذراء صامتة
جزاء صمتك مثل الصوم صمتك لي
جزاؤها أن كفاها الله ما مكروا
وناب عنها نبي الله فاحتملي
آخية المؤمن الوثقى جماعته
عودي إليها بلا ريث على عجلِ
فصحبةُ المرء منجاة ومرحمة
وكيد إبليس مرصود لمُعتزلِ
هم أمتعوني بذكر الله في سَحَر
يا أُذْنُ هذا كلام الله فاحتفلِي
وبصّروني بآي الله ناصعة
في النّفس والأفْق يا عيني بها اكتحلي
وعرّفوني بهم أكرم بمعرفة
تعطيك مكتملا من صلب مُخْتزَلِ
وساعدوني على حبس الهوى زمناً
في روْض مُعتكَف عن كلّ مُبتَذَلِ
وأيقظوني لدى الأسحار من وسني
من يعتكف لا يمنّي النّفس بالعُطَلِ
وأطعموني وليس الصّوم من قُرَبي
أنا العليل حُرِِمتُ الصّوم مِنْ قِبَلي
عذرا وشكرا وصبرا إنني خجل
كل بكاني وعزّى القوم في فشلي
صلّوا على المصطفى الهادي وعِترته
ما حنّ صبّ لخير الناس والنُّزُلِ
طه ومن جاورا الهادي بروضته
يا حارس الروض لا تُجهز على أملي
دعني قُبالة شبّاك الحبيب مدًى
أبكي على غفلاتي أشتكي عِللي
مستغفرا تائبا والدّمع منذرف
علّ الحبيب بذاك الدّمع يشفع لي
حُلمٌ، وحُلم الفتى إن لم يكن أملا
كنتُ الغريقَ "فما خوفي من البَللِ"

 

ذ. منيـر الركراكـي
ختم الاعتكاف بالدار العامرة -سلا
الأربعاء 28 رمضان 1431 هـ الموافق لـ 8 شتنبر 2010 م
 

هوامش:
* الجذل: الفرح.
* "صومك لي": مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم رواية عن ربه: "والصوم لي وأنا أجزي به".
* النَفَل: الغنيمة .
* الخَبَل: الجن .
* العذل: اللوم.
* الخَوَل: الخدم.
* البلل: النصر والظفر.
* القَبَل: هلال الشهر أول ما يُرى ويشاهد.

 
hit counter